حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

462

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

خليلا يكره لقاء خليله . فقال : يا ملك الموت الآن فاقبض . وجاء أعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه متى الساعة ؟ فقال : ما ذا أعددت لها ؟ فقال : ما أعددت كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب اللّه ورسوله . فقال صلى اللّه عليه وسلم : المرء مع من أحبه . ثم إن الأئمة اختلفوا في معناها فقال جمهور المتكلمين : إن المحبة نوع من أنواع الإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات ، ويستحيل تعلق المحبة بذات اللّه وصفاته ، فمعنى قولنا يحب اللّه يحب طاعة اللّه وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه . وأما العارفون فيقولون : إنا نحب اللّه لذاته لا لغرض ، ولو كان كل شيء محبوبا لأجل شيء آخر دار أو تسلسل وإذا كنا نحب الرجل العالم لعلمه ، والرجل الشجاع لقوته وغلبته ، والرجل الزاهد لبراءة ساحته عن المثالب ، فاللّه تعالى أحق بالمحبة لأن كل كمال بالنسبة إلى كماله نقص ، والكمال مطلوب لذاته محبوب لنفسه . وكلما كان الاطلاع على دقائق حكمة اللّه وقدرته وصنعه أكثر كان حبه له أتم ، وبحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبة إلى أن يستولي سلطان الحب على قلب المؤمن فيشغله عن الالتفات لغيره ويفنى عن حظوظ نفسه ، فيه يسمع وبه يبصر وبه يمشي ويتكلم بلسان الحال « ليس في جبتي سوى اللّه » فلا يعصي اللّه طرفة عين ولا يشتغل بحظ نفسه لمحة بصر كما قيل : تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع ويحب اللّه ويحب أولياءه ومقربيه ويناوئ أعداءه ومخالفيه أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] . لعين تغدى ألف عين ويتقى * ويكرم ألف للحبيب المكرم وَلَوْ يَرَى قرئ بالياء والتاء « وأن » « وإن » بالفتح والكسر فههنا أربعة تقديرات : الأول : لو يعلم الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد إذا عاينوا العذاب يوم القيامة أن القدرة كلها للّه على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم وأن عذاب اللّه للظالمين شديد ، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم . وحذف جواب « لو » دليل على فخامة شأن المحذوف ليذهب الوهم كل مذهب ويقدر من الفظاعة ما لا يكتنه كنهه كقولهم « لو رأيت فلانا والسياط تأخذه » بخلاف ما وقع التعبير عنه بلفظ معين . الثاني : ولو ترى - يا محمد أو يا من يتأتى منه الرؤية - هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم وقت معاينتهم العذاب بمعاينتهم أن القدرة كلها للّه وأنه